وحيدٌ..
في مهبّ الأرض
عصف الريح جفاها
أقول للقشّ..
وللأوراق:
وها واها!
كأنّني بيت شعر مقفر
آوي إلى اللّيل،
أعبث في كبسولة الوقت،
لا أدري مداها..
وعقيق (بوهالية*)
أمام مقبرة للريح،
يرثي بقاياً من حصاها!
تمشي غريبا..
وهذا الصبر أبكاها
كيف استجلاء مياهي؟
والصخرة الصماء..
عاثت بها السحلية،
تروم لوني..
وثوبي المبثور لعبتها
فكيف للروح أن تلقى مناها؟
وحيد.. والناس نائية،
كأن نفسي طير ضل مجراها!
رُشّي زهورك فوق الصّدر،
بدّدي..
من أكليل شقاء عمري مر بلواها
ولملميني..
كمثل التويج الوليد
نقيا..
في رحم الأرض إذ أحياها
وشقشقيني بنبع الروح ترنيمة،
تعيد للأنفس الثكلى صباها
من دملج النار والجليد..
صيغ هوى،
ناري نمت فيك..
وجليد الموت أطفاها!
وحيد..
والمساء يجر أذيالا،
ويمحو من خطاي كل مرماها
أنادي..
علَّ صوتَ الريح يعرفني،
فما جابت صداها
إلا صفيرا تهادى في أقاليمي،
وعرى النفس..
ثم بالأسى أتاها!
رأيت (البوهالية) الثكلى..
تفتت خبز عزلتنا،
لطير مات في يدها..
وتسألني:
ألم تكبر كبسولة الوقت؟
ألم ترحم..؟
فقلت:
الوقت صار مقبرة،
يذوب الحلم فيها.. قبل مسراها!
وأنظر للحصيد..
بقايا من سنابلنا،
جفاف المحل ابكاها
وأسال مائي المسجون في نبع:
متى تصفو..؟
فيخبرني:
بأن الصخر يشربه،
وأن السحلية العمياء..
قد بسطت حماها!
فما للعبة المبثور ملبسها..
تعود لتسلب الاطفال..
مناها!
أنا النبع الذي جفت موارده،
أنا النار التي صيغت..
وما انصاعت لجليد تحداها!
رشي..
أزاهيرك البيضاء،
لملمي طفلك الباكي،
فقد بلغت حدود الموت..
مجراها!
وحيد..
والمدى نفق تمدد،
لا أرى فيه.. محياها
تراودني ذئاب العمر..
تنهش طهر أغنيتي،
وما جاءت رعاياها
إلا لتسرق من دمي المنذور..
ترنيم استحضار الارواح،
إذ حمت مناياها!
على أعتاب مقبرة الرياح..
جلست وحدي،
أطعم الجليد جمر الصدر
علَّ الدفء يغشاها
ولكن الصقيع حجر..
وناري في دمالجه،
يحاصر مَوْجَها.. شرقا وغربا،
كيف أنساها؟!
أيا شقاء مأساتي..
تناثر فوق أكفاني،
فقد بلغت جراح النفس..
أقصاها!
وتلك (البوهالية) المجنونة..
انطفأت..
وما عادت ترى في العقد،
إلاّ طين مثواها!
فكيف أعيد للأطفال..
لعبتهم غدت مَزَقا؟
وكيف أرد مائي..
إذ جرى في الصخر،
والسحلية الرقطاء..
قد نشرت خطاياها؟!
أنا الوقت الذي ضاعت كبسولته،
أنا المتروك في الأرض،
أنادي..
علَّني يوماً..
أقبل بعض رياها!
وحيدٌ..
يلعق الإعصار جلدي،
كلّما ريح تَوَلاها
وأبحث في رماد العمر..
عن شيء يدل عَني،
عن شمس بدا لي.. أنني يوما لقيت ضياها
فلا ألقى سوى ورقٍ..
تقاذفه خريف العمر
أوَّاها
عقيقي..
صار أحجارا من السجيل،
ترجم حيرتي الثكلى
أمام مقابر الأمس
وأطلال الحصيد.. لم يعد فيها سوى الذكرى
تقاسمني بلاها!
أمد يدي لعنق (البوهالية)..
فأرى عروق الخوف نابضة،
وأسمع خلف هذا الصمت..
صرخة أُمِّنا الأُولى،
تئن بِمُرِّ شكواها!
يا نعشا نعيش به،
ونحسب أننا نحيا
تحجر ماؤنا الصافي..
فلا السحلية الرقطاء تتركه،
ولا الصخر الأصم.. أجاز مجراها!
لباسي المبثور شاهدنا..
على أنّ الطفولة صارت ذبيحتنا،
وأن اللعبة الأولى..
قد انفرطت حشاياها!
رُشِّي..
رُشِّي على كفني الخفي شقيقة النعمان،
لعلّ الحمرة القانية في الزّهر..
تشبه قطرة الدم
التي قد جف مسراها!
ولملمي..
ما تبقى من تويجي الرخو،
قبل مجيء عصف الريح..
إن الريح..
لا ترحم..
ضعيفا أتاها !
وحيدٌ..
والصقيع الآن يكتبني
على جدران غربتنا،
بأحرف من نَأْوٍ.. عني وعن روحي، ومن تاها
تُراني.. صرت مثل القش في مهب الريح؟
أم لحنا بلا وتر
يموت بين صدري.. كلما رددت:
واهاها!
فكيف لمائي المحبوس..
أن يجد النقاء العذب؟
والسحلية الملعونة..
تتمطى على الصخر،
تسرق لونيَ الشاحبَ..
وثوبيَ المبثورَ لعبتها..
فما أبقت لأطفال الحمى.. غير السراب،
إذا المدى تعب.. وأضناها!
محمّد الرّيوش (فاس، 1985)
أديب مغربيّ. باحث في الفقه المقارن والفكر الإسلاميّ.




