مرويّة تردد منذ فترة طويلة عن سرقة ديكارت أفكاراً من الغزالي، ويتخللها ما يبدو اغتيالاً لمن اكتشف السرقة، قصة درامية تصلح لأغراض كثيرة ليس منها البحث العلمي. يُنشر هذا المقال تزامناً وبالاشتراك مع منصّة خطـ30
لم أكن أدري أن تعقّبي مظاهر التشابه بين أفكار أبي حامد الغزالي ورينيه ديكارت، في إطار بحث أكاديمي أصررتُ على اختيار موضوعه، سيُفضي إلى مقطع فيديو نُشر سنة 2020 على يوتيوب يتصدّر واجهته الداعية عدنان إبراهيم، ومن تحته عنوان يقول بثقة وصرامة موت الدكتور الكعاك بعد كشفه سرقة ديكارت للغزالي. كنت حينها، ومازلت، طالباً بجامعة بلد الوليد في إسبانيا. وفي إطار مادّة فلسفة العصور الوسطى، اقترحتُ على الأستاذ أن يتصل بحثي بكتاب المنقذ من الضلال لأبي حامد الغزالي. ومتى ما قرأتُ في تقاسيم وجهه محاولة تذكر من يكون هذا الغزالي، بعد نُطقي اسمه على أكثر من وجه، عزمتُ على إغوائه بأن لأفكار هذا الفيلسوف صلةً وشبهاً بديكارت، وبأن لكتاب المُنقد ترجمة إسبانية يمكننا التعويل عليها. جاءني ردُّه إثرها في إيميل يطمئنني فيه عن اقتناعه بمقترحي، معبّراً عن أسفه لضيق وقت المادة الذي يحول دون إلمامها بأعلامِ الفلسفة العربية. مضيفاً: “سيكون من دواعي سروري أن ألتقي مجدداً بكاتب جعلتني السنوات أنساه”.
هكذا أخذتُ أبحث في كتاب المنقذ من الضلال دون نسيانِ عنوان المقطع الذي تفضّل عليّ يوتيوب بترشيحه. ومع تعوّدي التلازمَ بين اسمَيْ الغزالي وديكارت، بداَ اسم الكَعَّاك الذي دخل عليهما مألوفاً ومريباً في آن واحد؛ مألوفاً لكونِ الاسم تونسياً ذا أصول أندلسية، ومريباً لاتصاله بموتٍ مُلغزٍ تُرَدُّ أسبابه إلى كشف ملابسات سرقة فكرية.
في المقطع الذي علمت فيما بعد اندراجه ضمن سلسلة تُدعى «الغزالي.. الباحث عن الحقيقة»، أطلّ الداعية عدنان إبراهيم الذي اتصل تقديمه للفلسفة في خُطبه ودروسه بكشف “سرقاتِ” فلاسفةِ الحداثة الغربية من الفلاسفة المسلمين، محدثاً هذه المرة عن بحّاثة تونسيّ يُدعى عثمان الكعَّاك، كان بصدد إعانة بحّاثة آخر مصري هو محمد عبد الهادي أبو ريدة، في عمل يتناول تأثير الغزالي في الفكر الغربي. ولما كان الكعّاك حينها أمين المكتبة الوطنية، تمكن من الوصول، كما يروي عدنان إبراهيم، إلى مكتبة ديكارت، فأخذ يطالع فيها إلى أن وقع على نسخة من مؤلَّف الغزالي المنقذ من الضلال مترجمة إلى اللاّتينية، كُتِبَ بجانب بعض فقراتها بخط يد ديكارت وبقلم أحمر: “يُنقل هذا إلى منهجنا”.
تعتلي ابتسامة عريضة وجه عدنان إبراهيم فور بلوغه هذا الطّور من القصة. يأخذ مزهواً في تكرار العبارة الأخيرة “يُنقل هذا إلى منهجنا”. تتسع البسمة إلى ضحكة خفيفة عند إيضاحه أن المقصود بـ”منهجنا” كتاب مقالة في المنهج لديكارت. يلتفتُ مخاطباً الحضور: “شيء غريب، شيء غريب! سرقة واضحة أيها الإخوة، وبخطّ ديكارت!” تأخذ الابتسامة في التلاشي مع استكمال القصة. ينتقل عدنان إبراهيم إلى سردها وفق شهادة الفقيه السوري محمد البوطي الذي كان أحد حضور المؤتمر العاشر للفكر الإسلامي المنعقد، وفقاً لعدنان إبراهيم، سنة 1971 بمدينة عنّابة في الجزائر، والذي كشف فيه الكعَّاك عمّا رآه في مكتبة ديكارت. قال البوطي إنّه “لا يُدرَى ما حصل” في اليوم التالي للمؤتمر، إذ وُجد عثمان الكعّاك ميّتاً في غرفته.
يذهب عدنان إبراهيم إلى أنه في حال مات الكعَّاك ليلة انعقاد المؤتمر لكان هذا قدَراً واضحاً. لكنّ موته في اليوم التالي ينبئ بانتشار خبر كشف سرقة ديكارت للغزالي ووصوله ربما إلى بعض “الدوائر”، فقُرِّرَ حينها التخلص من الرجل. إذ لا يُعرَف هل دُسَّ له شيء أم مات اختناقاً. ثم يقفز عدنان إبراهيم إلى الحاضر متسائلاً: “الآن أين نسخة المنقذ من الضلال التي كانت لدى ديكارت؟ لا ندري.. أين خطُّ ديكارت فيها؟ ضاع كل شيء”. لم تبق غير الحسرة على عدم تصوير عثمان الكعّاك ولو صفحة واحدة مما رأى.
طفولة في ظل الاستعمار
دفعتني قصة هذا الموت المريب، التي خلت في رواية عدنان إبراهيم من تفاصيل وتواريخ دقيقة، إلى البحث عمّن يكون عثمان الكعّاك (1903-1976) توازياً مع قراءة المنقذ من الضلال. ولمّا حالت إقامتي في إسبانيا دون بلوغي مصادر ووثائق مباشرة عن الكعّاك، وقعتُ إثر بحث سريع على الإنترنت على كتاب عنوانه عثمان الكعَّاك: الرجل والفكر والقلم للكاتب التونسي أبو زيان السعدي. كان أوّل ما جذبني في صفحاته صورة قديمة وأبيات من الشعر. أمّا الصورة فكانت لرجلين يرتديان جُبَّة وبُرنساً، أحدهما شاب عظيم الجثة خفيف الشارب على رأسه شاشية تونسية. والثاني عجوز ذو لحية بيضاء يصغر صاحبه حجماً. عرفتُ فيما بعد أنّ الأخير هو محمد الكعّاك، على يساره يقف أصغر أبنائه عثمان الكعَّاك. هكذا عثرتُ على صورة الكعَّاك في شبابه.
أمّا عن الأبيات التي جاءت في جريدة الصباح بحسب الكتاب، فقد كانت للشاعر التونسي جلال الدين النقّاش، قيل إنه أنشدها في حفل تكريم للكعَّاك أُقيم في تونس نهاية سنة 1971 “تقديراً لمؤرخ تونس الكبير” وكان من جملة ما ألقاه:
أعُثمانَا الكعّاك يا كعبة الوفا
لعمرُكَ أن تُطوى مزاياك نسيانا
وإشعاعُكَ الوضّاءُ لا نبتغي له
دليلاً — وإن عمَّ المشيبُ — وبُرهانا
بعد التعّرف إلى صورته وملامحه، تبيّن لي أن الكعّاك كان مشتغلاً بالتاريخ. وأن له في هذا إشعاعاً مضيئاً لا يُطلبُ له برهان ولا دليل. ما شأن الغزالي وديكارت إذن؟
قادني هذا إلى فصول من حياة عثمان الكعّاك؛ مروياتٌ جاء بعضها على لسانه في شكل حوارات صحفية في الكِتاب السّابق ذِكره. وبعضها الآخر في كتاب آخر بعنوان مغاربيّات الكعّاك جمع فيه الباحث التونسي أحمد الحمروني عدداً من دراسات عثمان الكعّاك وحقّقها. منها علمتُ أخباراً عن طفولة الكعّاك الباكرة، كولادته يوم 15 أكتوبر/تشرين الأول من سنة 1903 في ضاحية ڤمّرت من أحواز تونس العاصمة، لعائلة ميسورة الحال ذات أصل أندلسي، هاجرت إلى تونس سنة 1613، أي بعد أربع سنوات من بدء طرد الموريسكيّين من إسبانيا. ويُرجّح أن اتخاذ العائلة لقب “الكعّاك” مردّه ممارسة أبنائها حرفة صناعة الكعك في أسواق تونس العتيقة.
ما يعرُف كذلك عن طفولة عثمان الكعّاك التحاقه بدايةً بالمدارس العربية الفرنسية. وهي مدارس أنشأها نظام الحماية الفرنسيّ، قامت في تعليمها على المناهج الفرنسية مع إتاحة دروس في اللغة العربية والقرآن لتلاميذها التونسيين. من ثم واصل تعليمه في المدرسة الصادقية التي غدت برامجها زمن الاستعمار فرنسيةَ الطابع واللغة. هكذا تمثل العالم أمام عثمان الكعّاك في صباه. إذ لم يكن يراه إلا بمنظار التعليم الاستعماري.
في حوار ضمه بـمجلة الندوة بتاريخ أبريل/ نيسان 1956، يسترجعُ الرجل صوراً من أوائل حياته. حياةٌ لم يتردّد في وصفها بغريبة الأطوار. يقول: «كنتُ إلى سن الثالثة عشرة من حياتي أحتقرُ اللغة العربية وأدبها وأهزأ بالحضارة العربية والتاريخ الإسلامي وأرى أنه من العبث تعلّم العربية، بل الواجب هو تعلّم اللغة الفرنسية واللغة الفرنسية ليس إلاّ، وكنت أحمدُ الله كثيراً على أنّي لا أعرف شيئاً من لسان العرب حتّى ولو مجرّد الحروف. وفي شهر ماي 1915 لما دخلت تركيا الحرب ضدّ الحلفاء كنت ماراً بالـ”الموالحية” (زنقة في تونس) وعلى رأسي شاشية “مجيدي” حسب العادة، فأدركتني كوكبة من الجنود (الفرنسيين) وصفعني أحدهم وبعثرني على الأرض وداس الشاشية، فمن ذلك التاريخ أقبلتُ على تعلّم العربية وآدابها بحزم».
تكوّنت شخصية عثمان الكعّاك على ضوء هذه الحادثة التي احتفظ بذكراها، فأورثتهُ شعوراً بالانتماء القوميّ إلى تونس والتراث الحضاري العربي. وهذا ما بدا من تفاعله مع الواقع الثقافيّ والسياسيّ في تونس زمن الاحتلال. إذْ تزامنت طفولة الكعّاك مع بدايات تشكّل أولى التنظيمات الوطنيّة من قبيل «حركة الشباب التونسي» التي أُسست سنة 1907 بإشراف عدد من خريجي المدرسة الصادقية، والتي لم تنادي بالمطالبة بالاستقلال بقدر محاولتها تمثيل صوت التونسيين أمام سلطات الحماية ودعوتها إلى تعميم التعليم الاستعماري على جميع التونسيين مع الإعلاء من شأن اللغة العربية في المناهج.
كانت حركة الشباب التونسي أحد مخرجات تجربة الجمعية الخلدونية التي بُعثت سنة 1896. وهي جمعية ذات طابع تعليمي اشتغلت بتعريب العلوم العصرية والتدليل على انتفاء تعارضها مع الإسلام. كما هدفت برامجها ومحاضراتها إلى خلق هوية وطنية واعية بانتمائها التونسي والحضاري. وأبدى عثمان الكعّاك، آنذاك، اهتماماً بهذا الحراك الثقافي والسياسي، فكان يُلقي في شبابه محاضرات في نادي قدماء الصادقية، والتحق سنة 1928 بالجمعية الخلدونية لتدريس التاريخ والجغرافيا. كما دأب على كتابة مقالات تاريخية بـمجلة الفجر التي كان ينشرها الحزب الحر الدستوري التونسي المؤسَّس سنة 1920 بحسب كتاب مغاربيات الكعاك.
ربما هناك!
على ما أبداه الكعّاك من حماس للقضية الوطنية والحضارية، لم يورثه هذا نفوراً من فرنسا وقطيعة تامة معها. إذ علمتُ، من تتبّع سيرته، سفره سنة 1926 إلى باريس، أين درس بجامعة السوربون ومعهد اللغات الشرقية والكوليج دو فرانس. نما لديّ شعور قوي بأن الكعّاك التقى ديكارت في تلك الفترة. لامس هذا الشعور اليقين كلما قرأتُ في ترجمة الكعّاك أنه كان “كثير التردد على المكتبة الوطنية الفرنسية، ومطالعة أمهات الكتب التي لها علاقة بالحضارة العربية الإسلامية والاطلاع على المخطوطات الثمينة التي تزخر بها تلك المكتبة”. لا مهرب إذن من عثوره آنذاك على نسخة ديكارت من المنقذ من الضلال!
أسترجعُ بعدها أصداء كلمات عدنان إبراهيم. ألم يقُل إن الكعّاك توصّل إلى مكتبة ديكارت زمن اشتغاله أميناً للمكتبة الوطنية؟ تؤكد مصادر سيرته أنه عمل حافظاً عاماً لدار الكتب الوطنية من سنة 1956 لغاية 1965. يبدو في الموضوع لُبس! هل لهذه القصة رواة غير عدنان إبراهيم؟!
أتذكر رواية شبيهة حكاها المفكر محمد عابد الجابري في حوارٌ مصّور. أسارعُ إلى التحقق من أقواله. في نهاية أحد أجزاء الحوار (بداية من الدقيقة 42) يخاطب الجابري محاوره: “بالمناسبة، أنت تونسي، حكى لي أستاذ تونسي درس في السوربون، هو من جيل يكبرني، قال لي كنتُ في السوربون أحضِّرُ رسالتي.. لستُ أدري عن الغزالي ربما. قال لي إنه في مكتبة.. المكتبة الوطنية أو غيرها، استعار كتاباً للغزالي مترجماً إلى اللاتينية. قال لي إنه في حاشية الكتاب، عندما يتكلم الغزالي عن الشكّ، كتب ديكارت بخط يده (هذا كلامٌ جميل)”. يسأله المحاور متعجباً: “بخط ديكارت!؟” يُجيب الجابري في نبرة من يقين: “بخط ديكارت”، ويضيف أن الأستاذ التونسي حين عاد إلى المكتبة بحثاً عن هذه النسخة، لم يجدها.
صدقَ شعوري. يبدو أنّ الكعاك قد التقى ديكارت في باريس زمن دراسته فيها. الجابري أكثر وثوقًا عندي من عدنان إبراهيم. فوق ذلك جاءت روايته مباشرة، إذْ قال: “حكى لي أستاذ تونسي”. لكنه لا يذكر اسم عثمان الكعّاك! طيّب، من سيُفصح له بهذا غير الكعّاك؟ هل كان الجابري من ضمن الحاضرين في المؤتمر الإسلامي في عنابة يوم أعلن الكعّاك هذا الاكتشاف؟ لا يرد في كلامه شيء عن هذا. ولا حديث له عن واقعة الموت المريب للكعّاك.
يبدو أنّ عثمان الكعّاك قد تحقّق من هذا الاكتشاف زمن سفره إلى باريس، وهو سفر لم يدم إلاّ عامين عاد بعدهما إلى تونس، كما جاء في كِتاب الكعاك الرجل الفكر القلم. هل أعلن تحقُّقه من السرقة آنذاك؟ لا يذكر الجابري زمن القصة، فيما يؤكد عدنان إبراهيم وقوع الإعلان في مؤتمر عنابة سنة 1971. لمَ التزم الكعّاك الصمت كلّ هذه السنين؟ لا بد أنه قد توصل إلى هذا الاكتشاف في شبابه، ثم رأى أن يرجئ الإعلان إلى زمن يكون فيه صاحب مقام وشهرة. أجد بعدها في جريدة الصباح حواراً مكتوباً مع الكعّاك يعود نشره إلى السابع من سبتمبر/أيلول عام 1974، وضمه الكتاب السابق، وفيه يقول: “لستُ أعتمد على المطالعة فحسب، بل إني أقومُ برحلات دراسية إلى عين المكان، وأتناولُ بالبحث والدراسة المتاحف والآثار، لتكون استنتاجاتي علمية وصحيحة”. لا كلمةَ في الحوار عن مكتبة ديكارت. في تاريخ نشر الحوار شيء مريب. كيف يموت عثمان الكعَّاك في اليوم التالي من مؤتمر انعقد سنة 1971 ويُنشر له حوار سنة 1974؟ هل نُشر الحوار بعد موته؟ لا، توفي الكعَّاكُ في شهر يوليو/تموز من سنة 1976. تزدادُ القصة تعقيداً.
مزاجات الشّباب
أقررُ بعدها التوجه نحو كتابات الكعّاك ذاتها. لعل غموض القصة مرده تقصيري في البحث. أعودُ إلى الحوار ذاته الذي نشرته مجلة الندوة عام 1956، تهرول عيناي بين كلماته باحثتَين بلهفة عن أيّ ذكر لباريس والغزالي وديكارت. أتوقف عند الجملة التالية: ولا سبيل أن نعرف الغزالي دون ديكارت ولا ديكارت دون الغزالي” (مغاربيات ص 50). أتجرأ على الأمل مرة أخرى، إذ تُصادف سنة نشر هذا الحوار بدء اشتغال الكعّاك أميناً للمكتبة الوطنية. هل تصدق راوية عدنان إبراهيم ولو في أجزاء منها؟ أقرأ السطر تلو السطر والكلمة تلو الأخرى، لا ذكر لرواية مكتبة ديكارت.
أخذتُ في قراءة ما تركه الكعّاك من أشتات نصوص تنوّعت مواضيعها وأزمان كتابتها ونشرها؛ نصٌ أدبيٌ في “الحنين إلى الوطن” كتبه عند عودته من باريس إلى تونس. مقالةٌ أخرى يقطع عنوانها بأن “المغرب عربيّ” وتؤكد أولى فقراتها أن المغرب، أي المغرب الكبير، “عربي منذ نشأته، منذ فجر تاريخه، يوم عمّره البربر بالعرب الأقحاح، وبنوا فيه بناية العرب الأولى.. هو عربيّ منذ نشأته الثانية عند ما حلّ به الفينيقيون من بني كنعان العرب القدماء، ونشروا به ألوية الحضارة العربية الثانية، وبسطوا منه على أوروبا المدنية الفينيقية العربية، وعلّموا أوروبا في جهالتها المتجر والملاحة والصناعة والفلاحة”.
أنبهرُ بما في الكعّاك من ثقة في استنتاجاته على ما في كلامه من اختزال وتعميم. تلاحق عيناي هوامش المقالة تحققاً من تاريخها. كلامٌ كهذا ربما كتبه الكعَّاك في أول شبابه، ففي نبرته أصداء لحماس مقتبل العمر، لاسيما إذا ما اقترن هذا العمر بواقع الاستعمار الفرنسي لتونس وبلاد المغرب عموماً.
يؤكد تاريخ النشر بعض ما ظننت. في الثالث والعشرين من مارس/آذار عام 1947 كتب عثمان الكعّاك هذا الكلام. لم يكن ساعتها في أوائل شبابه، غير أنّ ظروف تلك المرحلة كانت حبلى بتحولات جذريّة وشيكة.
عن التاريخ كقطعة واحدة والعالم كمعسكرين
في وثائق أخرى أتعرّفُ إلى الكعّاك المؤرخ. أجد حواراً مكتوباً نُشر في بيروت سنة 1969 بعنوان شخصيات من الشرق والغرب، عثمان الكعّاك، يُقدّم فيه المحاوِر ضيفه كبحّاثة ومؤرخ له إيمان قوي “بأقطار المغرب كوحدة تاريخية لها جذورها العميقة في الزمن”. كانت للكعّاك رؤية طريفة في طبيعة فهمه للهوية المغاربية؛ فهي عنده ليست هوية كلية يذوب فيها التنوع، وإنّما هوية جامعة تنضوي إليها هويات مُتفرّدة منذ فجر التاريخ. وليس في تصور الكعّاك فصل بين تاريخ قديم وحديث، فكلّ من عاش في أرض تونس أو أفريقيا، طيلة تاريخها، تونسيُّ الهوية عربيّ الأصل. ويُبرّر الكعّاك هذا الزّعم من منطلق إيمانه بما سمّاه “النبوغ التونسيّ”، مصوراً هذا النبوغ على هيئة روح تسكن التاريخ مبتلعةً “العناصر الأجنبية ثم (تحوّلها) بسرعة هضم واستساغة إلى موجودات تونسيّة بحتة” (مغاربيات ص 90).
يُعرِضُ الكعّاك، باعتباره مؤرخاً، عن اعتماد منهج واضح للتأريخ. فلا استناد لديه إلى ما ذاع آنذاك من مناهج الوضعيّة أو الماديّة التاريخيّة. كما لا تُفصل أقواله ورؤاه عن السياق الاستعماريّ. فمِن أوّل كتاباته مقالٌ نشره سنة 1922 ينتقد فيه إصلاحات المُقيم العام الفرنسي في تونس لوسيان سان، آنذاك، يقول فيه إنّ “الدستور التونسي هو أقدم دساتير العالم وهو دستور الجيروزية الذي وضعه أجدادنا القرطاجنيون ونقله عنهم اليونان ثم الرومان ثم الفرنسيون، فتلك بضاعتنا رُدَّت إلينا”. أمّا في حديثه عن الجزائر، التي وضع عنها كتاباً عنوانه موجز التاريخ العام للجزائر يقول: “يجب أن ترنّ كلمات الجزائر والحضارة الجزائرية والأدب الجزائري وإرادة الأمّة الجزائرية.. في أذن كل أوروبويّ بحسب أمته، ويجب أن تفعل فيه مفعولها في الغربي ذلك المفعول الذي كوّن حضارة الغرب وإرادة الغرب” (الرجل الفكر القلم ص 47).
أقرأ كلّ هذا، وأكاد أنسى قصّة ديكارت والغزالي. تبدو لي ملامحها بادية في رؤى الكعّاك لكني لا أهتدي إليها. ربما صرتُ أعلمَ بالرجل من علمي بحكايته. يأتي فجأة ذكر الفلسفة في كلامه؛ يتحدّث عن فلاسفة “مغاربة عرب” كابن رشد وابن باجة وابن طفيل “علّموا أوروبا الفلسفة”، ثم عن أطباء مغاربة عرب علموا أوروبا الطب، وعن جموع من الفلكيين والمؤرخين المغاربة العرب علموا أوروبا كل العلوم والآداب، بل “واكتشفوا أمريكا قبل كريستوف كولومب”. مرّة أخرى لا ذكر للنسخة اللاتينية من كتاب المنقذ من الضلال. هل علَّم الغزالي ديكارت الفلسفة ومنهج الشك؟ في النهاية، لا يمكن عدُّ أبي حامد من “المغاربة العرب”. ربما يتكشّف لي هذا في موضع آخر قريب.
مُعلّم أول وتلميذ جاحد
عند تناوله مسألة الهوية، يتراءى لي الكعّاك في صورة ذاك الطفل الذي ديست شاشيّتهُ صبياً، فتبدّى العالم من أمامه منقسماً إلى هويتين جامعتين، هم ونحن. فإن كانت لهم “ذات واحدة”، أوروبية كانت أم غربية، فلنا بدورنا ذات ضاربةٌ في القِدم. بل إنّ ذاتنا سبقت ذاتهم، فنحن من “علّمانهم” كلّ ما بلغوه من حضارة وتقدم وتمدّن. ذلك أنّ “جاذبية الحضارة الأوروبية.. سحرتنا أو تسحر البعض منا بمظاهر المادية التي تخلب لأول نظرة سطحية دون تمحيص وتمييز”. ومنه يدعو الكعّاك إلى تجاوز ما كان يحسه من مركب النقص تجاه الإفرنج، والذي “طهّر عقله منه” باطلاعه عما أخذه الإفرنج عن العرب.
اتصل الهمّ التاريخي للكعّاك بمحاولاته إثبات سبق الذات العربية المغاربية على الذات الغربية. وفي ظل واقع متشكك ومتسائل عمّ إذا كانت “لنا” في الأصل هوية جامعة، وعمّ إذا كان “الغرب” غرباً واحداً مُحدَّدَ المعالم منذ بداية التاريخ، أصرّ الكعّاك على وجود صراع دائم بين هاتين الهويتين؛ بيننا نحن القرطاجيين وهم الرومان الذين استولوا على قرطاجنة وأتلفوا مكتبها و”لم يحتفظوا إلاّ بكتاب واحد منها نظراً إلى ما له من الأهمية الكبرى وهو كتاب الفلاحة لماغون القرطاجنّي” فنقلوه إلى اللاتينية و”غزوا هذا الكتاب غزواً وانتفعوا به أعظم انتفاع”، وعند الكعّاك ما لا يُحصى من أمثلة يلتمس بها إثبات انقسام التاريخ إلى فسطاطين. أمثلة جانب معظمها الصواب، وحتّى متى صحّت جاء تأويل الكعّاك لها مُخلاً.
لا يرى الكعّاك في سير التاريخ إلاّ ثنائية المعلّم الأول والتلميذ الجاحد، وليست الصلة بينهما إلاّ علاقة سبق وسرقة. ولا يُنكر الكعّاك ما بلغه الغربيون من تقدم بل يعيب عليهم إنكار فضل من علموهم. في هذا الصدد يردّد في محاضرة له بيت شعر يقول فيه:
وكم علّمته علم القوافي / فلما قال قافية هجاني
ثم يستعين بمثل تونسيّ يقول: علمو (أي علَّمَهُ) الصلاة سبقو للجامع”. تتتالى الأمثلة والأمثال، ويغيب ذكر مكتبة ديكارت. تلوح عليّ بوادر السّأم، وتبدو لي كتابات الكعّاك وأحاديثه باعثة على الريبة والقلق. أشعر أنّي ألاحق حكاية لم تحدث قطّ.
حكاية ترفض النسيان
أهجرُ الكعّاك ورؤاه التاريخيّة الغريبّة. أعود إلى المنقذ من الضلال وبحثي الجامعيّ، مُطالعاً ما توفر بشأنه من أوراق بحثية باللغتين الإنجليزية والإسبانية. أقعُ على مقالة بالإنجليزية عنوانها «الغزالي وديكارت من الشك إلى اليقين: مقاربة فينومينولوجية» للباحث الكويتي محمد الواهب. أخذت أقرأ في المقالة، ولم أكد أبلغ صفحتها الثالثة حتى وجدتُ عثمان الكعّاك ماثلاً أمامي!
يقول محمد الواهب في مقالته إنّ أبرز دليل على تأثر ديكارت بالغزالي “قدّمه المؤرخ التونسي عثمان الكعّاك الذي ألقى بحثاً في المنتدى السنوي العاشر للفكر الإسلامي في تونس، حيث ذكر أنه زار المكتبة الوطنية في باريس واطلع على مجموعة ديكارت، فوجد ترجمة لاتينية لكتاب المنقذ من الضلال، عليها تعليقات بخطّ يد ديكارت تقول (يضافُ هذا إلى منهجنا)”. أنتفضُ فجأة. يبدو أنّ حكاية الكعّاك تأبى النسيان.
أن تُذكر هذه الحكاية في ورقة بحثية يخالف مجرّد قَصها في حوار أو درس يلقيه عدنان إبراهيم. أقفزُ مباشرة نحو المصادر والهوامش، علامَ استند محمد الواهب؟ وكيف أدركَ مصادر لم أبلُغها؟ يقول في أحد هوامش الصفحة ذاتها إن عثمان الكعّاك وثّق ما وجده في مكتبة ديكارت في مقال نُشر في صحيفة الأهرام المصريّة بتاريخ 30 يوليو/تموز 1976، أي بعد ما يقارب الأسبوعين من وفاة الكعّاك. هل كتب المقالة بنفسه أم كُتبت عنه؟ ثم ماذا عن ذكر محمد الواهب انعقاد المؤتمر الإسلامي في تونس؟ ألم ينعقد المؤتمر في عنابة الجزائر؟ ألم يمت الكعّاك في الجزائر؟
تنقطع أسئلتي عند قراءة هامش ثانٍ في الصفحة ذاتها. يقول فيه محمد الواهب: “حاولتُ شخصياً التحقق من هذه الادعاءات المتعلقة بهذا الدليل لكن الوصول إلى مجموعة ديكارت في باريس كان مقيداً بسبب بعض أعمال الترميم وإعادة النقل”. تزدادُ الحكاية غموضاً. هل سُحبت النسخة اللاتينية من المنقذ من الضلال من مكتبة ديكارت؟ لا يسعني غير العثور على مقالة صحيفة الأهرام أو عن أيّ شيء يقودني إلى أحداث مؤتمر عنابة.
في أرشيف مجلة الأصالة الجزائريّة، أعثر على مقالة في عددها الصادر بتاريخ الأول سبتمبر/أيلول 1976 بعنوان «آخر تعليق للمرحوم عثمان الكعّاك في الملتقى»، تظهر في صفحتها الأولى صورة للكعّاك وقد بدت عليه معالمُ الهرم. يقول تعليق الصورة إنها “أُخذِت لفقيدنا ببضع سويعات قبيل وفاته بسكتة قلبية على سريره”. في تعليقه الأخير يسترجع الكعّاك كلامه عن السبق والسرقة والأستاذ والتلميذ؛ يقول إنّ الأوروبيين كانوا يحتقرون المرأة حتى كتب ابن حزم طوق الحمامة وتُرجم الكتاب “على يدي مسلم إلى اللغة الإسبانية وتحافظه الناس”، وإن لبترارك أغاني “تُقابل كلّ أغنية منها ما يوجد عند ابن زيدون”، وإنّ قصة المعراج قد ألهمت دانتي لكتابة الكوميديا الإلهية، وفيها نجد “مكتوباً بالحرف اللاتينيّ: سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى”، وعلى أن كتاب دانتي يخلو من ذكر الآية، ولا أعلم من أين جاء الكعّاك بهذا الزعم! فإنّ في هذه القصة شبهاً بحكاية ديكارت والغزالي.. أين ذهبت هذه الحكاية؟
أسفل آخر صفحات كلمة الكعّاك الأخيرة هامشٌ يقول “كانت هذه الكلمات آخر ما تفوَّه به فقيدنا الكبير وآخر ما سمعه منه الملتقى من المنصة، حيث توفي، رحمه الله، في الليلة نفسها، نحو الثالثة صباحاً حسب تقدير الطبيب”. كيف تكون هذه آخر كلمات الكعّاك دون تلميح ولو بسيط عما رآه في مكتبة ديكارت! أعيدُ مراجعة كل ما قرأته للكعّاك، ثم أعود لألاحق مقالة الأهرام. في خضم هذا أتعثّر بمقالة في مجلة الحياة الثقافية، في أول هوامشها مكتوب أنها آخر دراسة كان يعتزم الفقيد عثمان الكعّاك إلقاءها في أشغال الملتقى العاشر للفكر الإسلامي بعنّابة “وذلك عشية يوم الخميس 15/07/1976 ولكنّ الأجل المحتوم وافاه في صبيحة نفس اليوم”. إذن للكعّاك كلمة أخيرة قالها، وكلمة أخرى لم يبلغ أن يُقلها!
كان عنوان هذه الدراسة الأخيرة الأبعاد الروحية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية للعبادات وأهميتها لكلٍّ من الأمة والفرد، وفيها مرة أخرى حديث عن أفضال العرب والمسلمين على غيرهم، ومقابلة هذه الأفضل بالجحود والإنكار. عزمتُ على أن تكون هذه الدراسة آخر ما أقرأه للكعّاك أو عنه. أرى في إحدى فقراتها جُمَلاً بالفرنسية وصورة كلمة تشبه اسم الغزالي. أقرأ: “ولما رأى النصارى أن النصرانية التي آلت لديهم إلى ما آلت إليه أقبلوا على دراسة التصوف الإسلامي، فتُرجم المنقذ من الضلال للغزالي إلى اللاتينية فأخذ منه ديكارت قوله: الشك أولى مراتب اليقين وأخذ منه منهاجه. وكلمة Discours بمعنى منهاج، إلى غير ذلك”. ينتهي كلام الكعّاك إلى هنا. لا حديثَ عن مكتبة أو تجربة ذاتية أو عن خط يد ديكارت. حتى كلمة Discours التي احتجّ بها لا تعني منهاجاً وإنما خطاباً أو مقالة.
على أني لم أوفق في النهاية إلى الاهتداء لمقالة الأهرام، فقد علمتُ، من كتاب لم أوفق إلى بلوغه هو الآخر، عنوانه حادثة اغتيال في مؤتمر إسلامي صدر سنة 2023 للباحث السعودي مازن الغيث؛ علمتُ أنّ المقالة لم تكن من كتابة الكعّاك وإنما دوّنها فهمي هويدي، الصحفي المصري الشاب، آنذاك، الذي جاء مبعوثاً من صحيفة الأهرام لتغطية مؤتمر عنّابة. فذكر واقعة موت الكعّاك وكلامه عن سرقة ديكارت للغزالي. قبلها بسنتين طرحت الصحفية سارة عبد المقصود سؤالاً على الكعّاك في حوار جمعها به سنة 1974، تقول: “تفاجئُ المتتبعين لأحاديثك ومحاضراتك بمعلومات تبدو غريبة، مما يجعل البعض يظن أن في هذه المعلومات مبالغات وقلة دقّة، فماهو ردُّك على هؤلاء؟”. أمام هذا السؤال الذي ظل يراودني كلّما تقدّمت في بحث هذه الحكاية، بدا الكعّاك منزعجاً من هذا التشكك “يبدو أن هؤلاء الذين وقعوا ضحية ثقافة تاريخية استعمارية كانوا يرون فيما توصلتُ إليه وكشفتُ النقاب عنه، نوعاً من المبالغة” (الكعاك الرجل الفكر القلم ص 81).
قصص تصلح لعالم من فسطاطين
ليس على المرء ربما أن يكون “ضحية ثقافة استعمارية” كي يتوجّس من حكايات الكعّاك واستنتاجاته. ذلك أنه في إطار بحثي في كتاب المنقذ من الضلال، وجدتُ أنه على خلاف كتب أخرى للغزالي من قبيل كتاب الاقتصاد في الاعتقاد الذي تُرجم بالفعل إلى اللاتينية منذ قرون أوروبا الوسطى، فإن أولى ترجمات المنقذ من الضلال لم تظهر إلاّ سنة 1842 ولم تكن إلى اللاتينية، وإنما ترجمها المستشرق الألماني أغوست شمولدرز إلى الفرنسية. ثم جاءت ترجمة كلود فيلد الإنجليزية سنة 1909 تحت عنوان اعترافات الغزالي على غرار اعترافات القديس أوغسطين.
تنزعُ هذه المعلومات عن حكاية الكعّاك سحرها. وتأتي أخبار وفاته لتفنّد ما ذاع من مزاعم التدبير والريبة، إذ خلت كلماتُ تأبينه، التي وُثِّقتَ كتابةً من أي حديث أو تلميح إلى ميتة مسترابة. وإنما أفضى الكعّاك إلى ربّه، كما تقول سيرته، من جراء سكتة قلبية، وهو في أرض عنّابة بالجزائر قبل إلقاء محاضرته الأخيرة في المؤتمر الإسلامي، ونُقل من بعدها جثمانه إلى مقبرة الجلاز في تونس، كما جاء في مغاربيات الكعاك.
أجدني الآن أقل اكتراثاً بمسألة صحة الحكاية من عدمها. فإن صدق الكعّاك أو لم يصدق، وإن كان بالفعل قد روى هذه القصة أم اختُلقَت من بعده. فإن أهم دافع لاسترجاعها اليوم، بعد نصف قرن من وفاة الكعّاك، ملاحظةُ أن تياراً من أعلام الثقافة العربية قد تهيأ لتصديقها وتحويلها لا فقط إلى حقيقة، كما قال بهذا الجابري، وإنما إلى أسطورة مؤسسة جديدة عن نشوء الحداثة الأوروبية وموقعنا المغدور منها.
وليس من الصدفة أن تُترك كل أمثلة الكعّاك عن الأخذ والسرقة، لتُنتقى منها قصة ديكارت والغزالي، نظراً إلى موقع ديكارت من الفلسفة الحديثة. وعلى ما في تجربتي الغزالي وديكارت من تشابه في المنطلقات والأمثلة – على كون هذا التشابه بالأساس بين كتابي المنقذ من الضلال والتأملات الميتافيزيقية، لا المقالة في المنهج كما يُزعم؛ فإن من المبالغة السير على منهج الكعّاك واعتبار كل تشابه سرقةً من ورائها حكاية. لاسيما أن كلاً من الغزالي وديكارت قد انتهى في نتائجه إلى غير ما وجده صاحبه. فمتى ما توصل ديكارت إلى مركزية الأنا العارفة، انتهى الغزالي إلى يقين لم يسنده نظمُ دليل ولا ترتيب كلام “بل بنور قذفه الله تعالى في الصدر”.
بين الفينة والأخرى، أعاودُ تذكر قصة عثمان الكعّاك وأرى في زمنه ما يشبه زمننا اليوم من جهة تمثّل العالم مرة أخرى على شكل فسطاطين تتشكل العلاقة بينهما وفق معايير القيمة من سبقٍ وجحود وتعليم وتتلمذ.كما ألحظُ هذا فيما أقرأه من اهتمامات متجددة بأدبيات نقد الاستشراق ونزع الاستعمار واعتماد تقسيمات للعالم بين جنوب وشمال ومحاولات بحث عن ذات أصلية مستلبة سُرِقت منا.
ربما لا تختلف دوافع هذه الهموم الراهنة عمّا شغل الكعّاك في زمانه وما دأب على إلقائه من أحاديث عن السبق والسرقات في مؤتمرات الفكر الإسلامي. لاسيما إذا ما علمنا نشأة هذا المؤتمر في الجزائر سنة 1968. فجاءت محاضراته وأطروحاته بمثابة استجابة لما أحدثته هزيمة الجيوش العربية ضد إسرائيل من جرح عميق في “ذات الأمة” وهويتها الحضارية وأساطيرها المؤسسة عن العروبة والإسلام والوحدة. ويبدو أن هذه الذات الجريحة التي لم نُعنَ بالنظر في تعريفها بقدر ذِكرنا ما طالها من اضطهاد، كانت أول دوافع تحويل فهمنا للتاريخ، في ظروف منبئة بالتداعي والهزائم، إلى قصٍّ للذكرياتِ والأساطير وترجيع الأغاني الحزينة.
أحمد محجوب
باحث تونسي. طالب فلسفة بجامعة بلد الوليد (إسبانيا).






